وهبة الزحيلي

91

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

ودلّت آية وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ على أنّ النّار مخلوقة ، ردّا على الجهمية ؛ لأنّ المعدوم لا يكون معدّا . وأرشدت آية وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ إلى وجوب المبادرة إلى ما يوجب المغفرة ، وهي الطاعة ، وقدم المغفرة على الجنّة ؛ لأنّ التّخلي مقدم على التّحلي ، فلا يستحقّ دخول الجنّة من لم يتطهّر من الذّنوب أولا . واختلف العلماء في تأويل قوله : وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فقال ابن عبّاس : تقرن السّموات والأرض بعضها إلى بعض ، كما تبسط الثياب ، ويوصل بعضها ببعض ، فذلك عرض الجنّة ، ولا يعلم طولها إلا اللّه . وهذا قول الجمهور . ولم تقصد الآية تحديد العرض ، ولكن أراد بذلك أنها أوسع شيء رأيتموه . وأشارت آية أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ إلى أن الجنّة مخلوقة موجودة كالنّار ، وهذا قول عامّة العلماء . ويؤيده نص حديث الإسرار وغيره في الصحيحين وغيرهما ، وحديث أبي ذر عن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما السّموات السبع والأرضون السبع في الكرسي إلا كدراهم ألقيت في فلاة من الأرض ، وما الكرسي في العرش إلا كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض » . وقالت المعتزلة : إنهما غير مخلوقتين في وقتنا ، وإن اللّه تعالى إذا طوى السّموات والأرض ، ابتدأ خلق الجنّة والنّار حيث شاء ؛ لأنهما دار جزاء بالثّواب والعقاب ، فخلقتا بعد التّكليف في وقت الجزاء ؛ لئلا تجتمع دار التّكليف ودار الجزاء في الدّنيا ؛ كما لم يجتمعا في الآخرة . ويلاحظ أنه تعالى أمر بالمسارعة إلى عمل الآخرة في آيات كثيرة : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [ آل عمران 3 / 133 ] ، سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ [ الحديد 57 / 21 ] ، فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ [ البقرة 2 / 148 ] ، فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [ الجمعة 62 / 9 ] ، وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ المطففين 83 / 26 ] ، وأما السّعي للدّنيا فذكر بها تذكيرا برفق مثل : فَامْشُوا فِي مَناكِبِها